كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَإِنَّنِي أَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا لِلْغُرُورِ بِكُتُبِ هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَّةِ عَنِ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، نَقَلَ عَنْهُ الشَّعْرَانِيُّ أَنَّهُ قَالَ: عَمَلْتُ كِتَابًا فِي الْمَعْرِفَةِ، وَأُعْجِبْتُ بِهِ فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ أَنْظُرُ فِيهِ مُسْتَحْسِنًا لَهُ إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ شَبَابٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ رَثَّةٌ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ الْمَعْرِفَةُ حَقٌّ لِلْحَقِّ عَلَى الْخَلْقِ أَوْ حَقٌّ لِلْخَلْقِ عَلَى الْحَقِّ؟ فَقُلْتُ: أَحَقُّ عَلَى الْخَلْقِ لِلْحَقِّ، فَقَالَ: هُوَ أَوْلَى أَنْ يَكْشِفَهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، فَقُلْتُ: بَلْ حَقٌّ لِلْخَلْقِ عَلَى الْحَقِّ، فَقَالَ هُوَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَهُمْ. ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيَّ وَخَرَجَ. قَالَ الْحَارِثُ: فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ وَحَرَقْتُهُ، وَقُلْتُ: لَا عُدْتُ أَتَكَلَّمُ فِي الْمَعْرِفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ.
(أَقُولُ) يَعْنِي بِالْمَعْرِفَةِ هُنَا الْمَعْرِفَةَ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهَا عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ، وَإِنَّمَا رَجَعَ عَنْهَا الْحَارِثُ لِاقْتِنَاعِهِ بِقَوْلِ الشَّابِّ وَتَذَكُّرِهِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً مَرَضِيَّةً لِلَّهِ تَعَالَى لَبَيَّنَهَا فِي كِتَابِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [16: 89] وَيُرْوَى عَنْ ذِي النُّونِ الصُّوفِيِّ الشَّهِيرِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِعَارِفٍ مَنْ وَصَفَ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ فَكَيْفَ عِنْدَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا؟ يَعْنِي أَنَّ وَصْفَهَا لَا يَجُوزُ إِلَّا لِأَهْلِهَا الْعَارِفِينَ؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَاضَ مِنْ كَلَامِ صُوفِيَّةِ الْحَقَائِقِ غَيْرَ عَالِمٍ بِرُمُوزِهِمْ ضَلَّ وَرُبَّمَا كَفَرَ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ سُلُوكُ طَرِيقَتِهِمْ إِلَّا عَلَى يَدِ شَيْخٍ عَارِفٍ مِنَ الْوَاصِلِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ. وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ أَبُو الْمَحَاسِنِ الْقَاوَقْجِيُّ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْهُ الْأَحَادِيثُ الْمُسَلْسَلَةُ وَغَيْرُهَا، وَكَانَ مِنْ شُيُوخِ طَرِيقَةِ الشَّاذِلِيِّ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: إِنَّنِي لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيقِ الْمُقَلِّدِينَ، الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى قِرَاءَةِ حِزْبِ الْبِرِّ وَهَذِهِ الْأَذْكَارِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا أُرِيدُ السُّلُوكَ الصَّحِيحَ بِالرِّيَاضَةِ وَالتَّعَبُّدِ السِّرِّيِّ كَالْمُتَقَدِّمِينَ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَتَوَلَّى ذَلِكَ مَعِي؟ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّنِي لَسْتُ أَهْلًا لِذَلِكَ فَلَا أَغُشُّكَ وَأَغُشُّ نَفْسِي أَوْ كَمَا قَالَ:
وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، وَأَحَبَّ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ كَلَامِ خِيَارِ الصُّوفِيَّةِ فِي الْحَقَائِقِ مَعَ الْتِزَامِ السُّنَّةِ وَسِيرَةِ السَّلَفِ فِي الْعِبَادَةِ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ (مَدَارِجِ السَّالِكِينَ) لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ شَرْحِ (مَنَازِلِ السَّائِرِينَ) لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْهَرَوِيِّ الْأَنْصَارِيِّ فَإِنَّ فِيهِ خُلَاصَةَ مَعَارِفِ الصُّوفِيَّةِ الَّتِي لَا تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مَعَ الرَّدِّ عَلَى مَا خَالَفَهُمَا، وَأَمَّا كُتُبُهُمْ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ الدِّينِيَّةِ فَيُغْنِي عَنْهَا كُلِّهَا (كِتَابُ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْمِنَحِ الْمَرْعِيَّةِ) لِابْنِ مُفْلِحٍ الْفَقِيهِ الْحَنْبَلِيِّ، فَإِنَّهُ مُسْتَمَدٌّ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَلَامِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ الْمُتَّفَقِ عَلَى جَلَالَتِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا مَا نَنْصَحُ بِهِ لِجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ لِلْعَمَلِ. وَثَمَّ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ لِعُلَمَاءِ الصُّوفِيَّةِ مُفِيدَةٌ فِي فَلْسَفَةِ الْأَخْلَاقِ وَعِلْمِ النَّفْسِ وَخَوَاصِّ الْأَرْوَاحِ، وَالِاسْتِفَادَةُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا خَاصَّةٌ بِأَهْلِ الْبَصِيرَةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَمِنْ خِيَارِ الصُّوفِيَّةِ الْوُعَّاظِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي كِتَابِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ نَهَى عَنْ كَلَامِهِ وَالِاسْتِمَاعِ لِلْقَاصِّ بِهِ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الْحُسَيْنِ قَالَ: إِنَّمَا رَأَى إِمَامُنَا أَحْمَدُ النَّاسَ لَهِجِينَ بِكَلَامِهِ، وَقَدِ اشْتُهِرُوا بِهِ حَتَّى رَوَوْهُ وَفَصَّلُوهُ مَجَالِسَ يَحْفَظُونَهَا وَيُلْقُونَهَا وَيُكْثِرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دِرَاسَتَهَا فَكَرِهَ لَهُمْ أَنْ يَلْهُوا بِذَلِكَ عَنْ كِتَابِ اللهِ، وَيَشْتَغِلُوا بِهِ عَنْ كُتُبِ السُّنَّةِ وَأَحْكَامِ الْمِلَّةِ لَا غَيْرُ. اهـ.
فَإِنْ كَانَتْ حَالُ النَّاسِ هَكَذَا فِي زَمَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، زَمَنِ حِفْظِ السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَالتَّفَقُّهِ وَالْعَمَلِ بِهَا، وَاشْتِرَاكِ الصُّوفِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَمَاذَا عَسَى أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا الزَّمَنِ وَأَهْلِهِ وَأَنْتَ لَا تَجِدُ فِي عُلَمَاءِ مِصْرَ حَافِظًا، وَلَا مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مُحَدِّثًا، دَعْ مُتَصَوِّفَتَهُ الَّذِينَ يَسْتَحْوِذُ عَلَى أَكْثَرِهِمُ الْجَهْلُ، وَيُوجَدُ فِيهِمُ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَتَّخِذُهُمُ الْأَجَانِبُ جَوَاسِيسَ وَدُعَاةً لِلِاسْتِعْمَارِ، مُحْتَجِّينَ بِشُبْهَةِ الرِّضَا بِالْأَقْدَارِ، وَهُمْ أَكْبَرُ مَصَائِبِ الْإِسْلَامِ فِي الْمُسْتَعْمَرَاتِ الْفَرَنْسِيَّةِ الْإِفْرِيقِيَّةِ وَمِنْ شُيُوخِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ الرَّوَاتِبَ الْمَالِيَّةَ مِنْ حُكَّامِهَا، وَمَنْ نَالَ بَعْضَ أَوْسِمَتِهَا الشَّرَفِيَّةِ.
فَهَذَا نَمُوذَجٌ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ نَدْعُمُ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحُجَجِ وَالنُّصُوصِ فِي دَعْوَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ وَالِاهْتِدَاءِ بِهِ، وَبِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ بَيَانِهِ وَالِاكْتِفَاءِ بِعِبَادَاتِهِمَا وَأَذْكَارِهِمَا وَالِاسْتِغْنَاءِ بِهَا عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهَا مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَكَلُّفٍ لِمَا لَا يَسْهُلُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ، وَالتَّفَرُّغُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْقِيَامِ بِفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ مِنَ الدِّفَاعِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَتَعْزِيزِهِ، وَدَفْعِ الْأَذَى وَالِاسْتِعْبَادِ وَالظُّلْمِ عَنْ أَهْلِهِ، وَإِعْزَازِ الْأُمَّةِ بِالْقُوَّةِ وَالثَّرْوَةِ بِالطُّرُقِ الْمَشْرُوعَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْفُنُونِ الصَّحِيحَةِ وَالنِّظَامِ، وَإِنْفَاقِهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ تِلْكَ الْأَوْرَادِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تَكُونَ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا أَيِ: اتَّخَذَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى رُؤَسَاءَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَالرُّبُوبِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْأُلُوهِيَّةَ بِالذَّاتِ، إِذِ الرَّبُّ هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ- وَاتَّخَذَ النَّصَارَى الْمَسِيحَ رَبًّا وَإِلَهًا، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ مَا أُمِرُوا عَلَى لِسَانِ مُوسَى وَعِيسَى وَمَنِ اتَّبَعَهُمَا فِيمَا جَاءَا بِهِ عَنِ اللهِ إِلَّا أَنْ يَعْبُدُوا وَيُطِيعُوا فِي الدِّينِ إِلَهًا وَاحِدًا بِمَا شَرَعَهُ هُوَ لَهُمْ، وَهُوَ رَبُّهُمْ وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لَا صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِإِلَهٍ، فَهِيَ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِعِبَادَةِ إِلَهٍ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِغَيْرِهِ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ، وَلَا فِي نَظَرِ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا اتَّخَذَ الْمُشْرِكُونَ آلِهَةً مِنْ دُونِهِ بِمَحْضِ الْهَوَى وَالْجَهْلِ، إِذْ ظَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ أَنَّ لِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ السُّلْطَانِ الْغَيْبِيِّ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الضُّرِّ وَالنَّفْعِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْأَسْبَابِ الْمُسَخَّرَةِ لِلْخَلْقِ مِثْلَ مَا لِلَّهِ، إِمَّا بِالذَّاتِ وَإِمَّا بِالْوَسَاطَةِ عِنْدَهُ تَعَالَى وَالشَّفَاعَةِ لَدَيْهِ، وَهِيَ الشَّفَاعَةُ الشِّرْكِيَّةُ الْمَنْفِيَّةُ بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيْ: تَنْزِيهًا لَهُ- عَنْ شِرْكِهِمْ فِي أُلُوهِيَّتِهِ بِدُعَاءِ غَيْرِهِ مَعَهُ أَوْ مِنْ دُونِهِ، وَفِي رُبُوبِيَّتِهِ بِطَاعَةِ الرُّؤَسَاءِ فِي التَّشْرِيعِ الدِّينِيِّ بِدُونِ إِذْنِهِ. أَمَّا أَمْرُ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ عَلَى لِسَانِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهُوَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ التَّوْرَاةِ، أَظْهَرُهَا وَأَشْهَرُهَا أَوَّلُ الْوَصَايَا الْعَشْرِ الَّتِي جَاءَتْ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ، أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَهَا لِمُوسَى عِنْدَ مُنَاجَاتِهِ فِي سَيْنَاءَ بِأُصْبُعِهِ عَلَى لَوْحَيِ الْعَهْدِ، وَهَذَا أَوَّلُهَا: أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ، لَا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي، لَا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا وَلَا صُورَةً مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَلَا مِمَّا فِي الْأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَلَا مِمَّا فِي الْمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ، لَا تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلَا تَعْبُدْهُنَّ، لِأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ إِلَهٌ غَيُورٌ. إِلَخْ.
وَأَمَّا أَمْرُهُ تَعَالَى إِيَّاهُمْ بِهَا عَلَى لِسَانِ عِيسَى الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتَجِدُ مِنْهُ فِيمَا رَوَاهُ يُوحَنَّا فِي إنْجِيلِهِ قَوْلَهُ: (7: 3 وَهَذِهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِيُّ وَحْدَكَ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ) وَفِي إِنْجِيلِ بَرْنَابَا- الَّذِي تَعُدُّهُ الْكَنِيسَةُ غَيْرَ قَانُونِيٍّ- مِنْ آيَاتِ التَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ الْمُجَرَّدِ مِنْ جَمِيعِ شَوَائِبِ الشِّرْكِ مَا هُوَ أَجْدَرُ مِنَ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ الْقَانُونِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ إِنْجِيلِ الْمَسِيحِ الصَّحِيحِ الْمُوحَى إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِوَصْفٍ ثَالِثٍ فِي تَفْصِيلِ حَالِ كُفْرِهِمُ الْمُجْمَلِ الْمُتَقَدِّمِ بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِاتِّخَاذِ ابْنِ اللهِ وَرُؤَسَائِهِمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ- وَهُوَ:
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ أَيْ: يُرِيدُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ الَّذِي أَفَاضَهُ عَلَى الْبَشَرِ بِهِدَايَةِ دِينِهِ الْحَقِّ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَى مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمَا مِنْ رُسُلِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهُ وَأَكْمَلَهُ بِبَعْثَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بِالطَّعْنِ فِي الْإِسْلَامِ وَالصَّدِّ عَنْهُ بِالْبَاطِلِ. كَمَا فَعَلُوا مِنْ قَبْلُ بِمِثْلِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، الَّتِي لَمْ تَتَجَاوَزْ أَفْوَاهَهُمْ إِلَى مَعْنًى صَحِيحٍ، وَبِمَا ابْتَدَعَهُ الرُّؤَسَاءُ لَهُمْ مِنَ التَّشْرِيعِ، حَتَّى صَارَ التَّوْحِيدُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ عِنْدَهُمْ شِرْكًا، وَالْعَبْدُ الْمَرْبُوبُ رَبًّا، وَالْعَابِدُ الْمَأْلُوهِ إِلَهًا عَلَى تَفَاوُتٍ بَيْنَ فِرَقِهِمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَالْإِرَادَةُ فِي الْأَصْلِ: الْقَصْدُ إِلَى الشَّيْءِ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَا يُفْضِي إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهُ فَاعِلُهُ. يُقَالُ فِي الرَّجُلِ الْمُسْرِفِ الْمُبَذِّرِ: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِبَ بَيْتَهُ. أَوْ: أَنْ يَتْرُكَ أَوْلَادَهُ فُقَرَاءَ أَيْ أَنَّ تَبْذِيرَهُ يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ بِقَصْدِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ مَنْ يَقْصِدُ ذَلِكَ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ عَادَوُا الْإِسْلَامَ مُنْذُ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَانُوا يَقْصِدُونَ إِبْطَالَهُ وَالْقَضَاءَ عَلَيْهِ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ مِنْ جِهَةٍ، وَبِإِفْسَادِ الْعَقَائِدِ وَالطَّعْنِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا، وَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ يَصِحُّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِإِرَادَةِ إِطْفَاءِ النُّورِ؛ لِأَنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ مَعَهُ. وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ إِفْسَادِهِمْ فِي دِينِهِمْ فَمِنْهُ مَا كَانَ بِقَصْدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُبْتَدِعِينَ فِيهِ، وَلاسيما الرُّومُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا النَّصْرَانِيَّةَ عَصَبِيَّةً سِيَاسِيَّةً مُنْذُ عَهْدِ قُسْطَنْطِينَ، وَمِنْهُ مَا كَانَ بِغَيْرِ قَصْدٍ إِلَى إِطْفَاءِ نُورِهِ، بَلْ كَانَ بَعْضُهُ بِقَصْدِ خِدْمَتِهِ (كَمَا فَعَلَ بَعْضُ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سَنَنَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ بِوَضْعِ الْأَحَادِيثِ وَالْعِبَادَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ وَنَشْرِ الْخُرَافَاتِ) وَهُوَ مَا بَيَّنَّاهُ مِرَارًا فِي مَوَاضِعَ آخِرُهَا وَأَقْرَبُهَا مَا قُلْنَاهُ آنِفًا فِي هَذَا السِّيَاقِ.
قَالَ السُّدِّيُّ: الْمُرَادُ بِالنُّورِ هُنَا الْإِسْلَامُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ الْقُرْآنُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِالنُّورِ الدَّلَائِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهَا يُهْتَدَى بِهَا إِلَى الْحَقِّ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، كَمَا يُهْتَدَى بِالنُّورِ فِي رُؤْيَةِ الْحِسِّيَّاتِ، وَأَقُولُ: إِنَّ الْمَعْنَى الْجَامِعَ بَيْنَ النُّورِ الْحِسِّيِّ وَالنُّورِ الْمَعْنَوِيِّ هُوَ أَنَّهُ الشَّيْءُ الظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ النُّورَ الْمَعْنَوِيَّ لِلْبَصِيرَةِ كَالنُّورِ الْحِسِّيِّ لِلْبَصَرِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [5: 15] أَنَّ فِي هَذَا النُّورِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا وَبَيَّنَّا وَجْهَ كُلٍّ مِنْهَا، وَاخْتَرْنَا الثَّالِثَ مِنْهَا وَهُوَ الْقُرْآنُ لِمُوَافَقَتِهِ لِقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [4: 174] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي رَسُولِهِ الْأَعْظَمِ: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [7: 157] وَقَوْلِهِ: {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [64: 8] وَأَمَّا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنَّ فِيهِ: {نُورًا وَهُدًى} [5: 44، 46] وَلَمْ يَجْعَلْهُ عَيْنَ النُّورِ كَالْقُرْآنِ. وَنَخْتَارُ هُنَا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ الشَّامِلِ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ رُسُلُ اللهِ، وَلاسيما دِينُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَقَدْ كَانَ كُلٌّ مِنْهَا نُورًا لِأَهْلِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ، حَتَّى إِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ كَانَ هُوَ النُّورَ الْأَعْظَمَ الْكَافِيَ لِهِدَايَةِ جَمِيعِ الْبَشَرِ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْبُوصِيرِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي لَامِيَّتِهِ بَعْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الْكُتُبِ:
اللهُ أَكْبَرُ إِنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ** وَكِتَابَهُ أَقْوَى وَأَقْوَمُ قِيلًا

لَا تَذْكُرُوا الْكُتُبَ السَّوَالِفَ عِنْدَهُ ** طَلَعَ الصَّبَاحُ فَأَطْفِئِ الْقِنْدِيلَا

نَعَمْ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ أَطْفَئُوا جُلَّ ذَلِكَ النُّورِ فَزَجُّوا بِأَنْفُسِهِمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يَلُوحُ لَهُمْ فِيهَا إِلَّا وَمِيضٌ ضَئِيلٌ مِنْهُ، وَهُمْ يُرِيدُونَ إِطْفَاءَ الْآخِرِ الْأَخِيرِ أَيْضًا. وَالنُّورُ الْحِسِّيُّ قَدْ يُطْفَأُ بِنَفْخِ الْفَمِ كَسُرُجِ الزَّيْتِ الْقَدِيمَةِ، وَإِطْفَاؤُهُ: إِزَالَتُهُ وَإِطْفَاءُ النَّارِ: إِزَالَةُ لَهَبِهَا وَاتِّقَادُ جَمْرِهَا مَعًا، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ إِخْمَادِهَا؛ لِأَنَّ الْإِخْمَادَ إِزَالَةُ اللهَبِ فَقَطْ. وَإِنْ كَانَ إِطْفَاءُ السِّرَاجِ سَهْلًا فَإِطْفَاءُ نُورِ الشَّمْسِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالنُّورِ دِينُ اللهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ فِي كُلِّ قَوْمٍ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُمْ فِي زَمَنِهِمْ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّمَامَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} الَّذِي أَضَافَهُ إِلَى اسْمِهِ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، صلى الله عليه وسلم إِلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، مُبَيِّنًا لَهُمْ كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، مِنْ عَقَائِدَ يُؤَيِّدُهَا الْبُرْهَانُ، وَيَطْمَئِنُّ لَهَا الْوِجْدَانُ، وَتَبْطُلُ بِهَا عِبَادَةُ الْإِنْسَانِ لِلْإِنْسَانِ، فَضْلًا عَنِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ. وَعِبَادَاتٍ تَتَزَكَّى بِهَا النَّفْسُ، وَتَطْهُرُ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ، وَتَجْعَلُ كِفَايَةَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ حُقُوقًا إِلَهِيَّةً، تَكْفُلُهَا الْعَقَائِدُ الْوِجْدَانِيَّةُ، وَيُبْطِلُ ثَوَابَهَا الْمَنُّ وَالْأَذَى، وَآدَابٍ تَطْبَعُ فِي الْأَنْفُسِ مَلَكَاتِ الْفَضَائِلِ، وَتَتَوَثَّقُ بِهَا عُرَى الْمَصَالِحِ. وَتَشْرِيعٍ سِيَاسِيٍّ وَقَضَائِيٍّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَيُجْعَلُ السُّلْطَانَ الْحُكْمِيَّ لِلْأُمَّةِ، وَيُقَرِّرُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ جَمِيعِ النَّاسِ فِي الْحَقِّ، مَعَ تَعْظِيمِ شَأْنِ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ، وَاحْتِرَامِ حُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ وَالرَّأْيِ وَالْوِجْدَانِ. وَمَنْعِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْأَدْيَانِ، وَالتَّوْحِيدِ الْمُصْلِحِ لِلِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ فِي الْعَقَائِدِ وَالتَّعَبُّدِ وَالتَّشْرِيعِ وَاللُّغَةِ، لِإِزَالَةِ التَّعَادِي بَيْنَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ، فَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهَا كُلَّهَا، كَانَ تَشْرِيعُ الْمُسَاوَاةِ بِالْعَدْلِ كَافِيًا لِحِفْظِ حُقُوقِهِ فِيهَا.
أَتَمَّ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى لِسَانِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، الَّذِي أَرْسَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ آيَتَهُ الْكُبْرَى عِلْمِيَّةً عَقْلِيَّةً وَهِيَ هَذَا الْقُرْآنُ، وَكَفَلَ حِفْظَهَا إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، وَلَمْ يَكْفُلْ ذَلِكَ لِكِتَابٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْكُتُبِ كَانَتْ أَدْيَانًا خَاصَّةً مُؤَقَّتَةً، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ الدَّعْوَةَ، وَأَقَامَ الْحُجَّةَ، وَأَوْضَحَ الْمَحَجَّةَ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [5: 3].
وَجُمْلَةُ الْمَعْنَى فِي هَذَا التَّرْكِيبِ: أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِهِدَايَةِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا قُطْبُهُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ جَمِيعُ عِبَادَاتِهِ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ، فَتَحَوَّلُوا عَنْهُ إِلَى الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّةِ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يُرِيدُ ذَلِكَ، لَا يُرِيدُ فِي هَذَا الشَّأْنِ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ هَذَا النُّورَ الَّذِي بَدَأَ فِي الْأَجْيَالِ السَّابِقَةِ كَالسِّرَاجِ عَلَى مَنَارَتِهِ، أَوْ كَنُورِ الْهِلَالِ فِي بُزُوغِهِ، فَالْقَمَرُ فِي مَنَازِلِهِ، فَيَجْعَلُهُ بَدْرًا كَامِلًا، بَلْ شَمْسًا ضَاحِيَةً يَعُمُّ نُورُهُ الْأَرْضَ كُلَّهَا، وَمَا يُرِيدُهُ اللهُ كَائِنٌ لَا مَرَدَّ لَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ذَلِكَ بَعْدَ إِتْمَامِهِ، كَمَا كَانُوا يَكْرَهُونَهُ مِنْ قَبْلُ عِنْدَ بَدْءِ ظُهُورِهِ، وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا قَبْلَهُ كَمَا يَقُولُ النُّحَاةُ. فَهُمْ يَكِيدُونَ لَهُ، وَيَفْتَرُونَ عَلَيْهِ، وَيَطْعَنُونَ فِيهِ وَفِيمَنْ جَاءَ بِهِ. وَيُحَاوِلُونَ إِخْفَاءَهُ، أَوْ خَنْقَ دَعْوَتِهِ، وَحَصْدَ نَبْتَتِهِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ اللهُ. فَأَمَّا الْيَهُودُ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي مُقَاوَمَةِ دَعْوَتِهِ، وَمُسَاعَدَةِ الْمُشْرِكِينَ عَابِدِي الْأَصْنَامِ فِي قِتَالِ أَهْلِهِ، وَمِنْ خُذْلَانِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ، وَنَصْرِ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، مَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ، فَكَانُوا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِأَهْلِهِ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ سَوَاءً، وَلَمَّا عَجَزُوا عَنْ إِطْفَاءِ نُورِهِ بِمُسَاعَدَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَصَدُوا إِطْفَاءَ نُورِهِ بِبَثِّ الْبِدَعِ فِيهِ، وَتَفْرِيقِ كَلِمَةِ أَهْلِهِ بِمَا فَعَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَبَأٍ مِنِ ابْتِدَاعِ التَّشَيُّعِ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، وَالْغُلُوِّ فِيهِ، وَإِلْقَاءِ الشِّقَاقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ لِشِيعَتِهِ مِنَ الدَّسَائِسِ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ رضي الله عنه ثُمَّ فِي الْفِتْنَةِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ أَقْبَحُ التَّأْثِيرِ، وَلَوْلَاهُمْ لَمَا قُتِلَ أُولَئِكَ الْأُلُوفُ الْكَثِيرُونَ مِنْ صَنَادِيدَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ السَّعْيَ إِلَى الصُّلْحِ وَالِاتِّفَاقِ نَجَحَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَأَفْسَدُوهُ بِدَسَائِسِهِمْ، ثُمَّ كَانَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ وَالْقِيَامَ بِفَرَائِضِهِ نِفَاقًا مَكِيدَةٌ أُخْرَى لَا تَزَالُ مَفَاسِدُهَا مَبْثُوثَةً فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّارِيخِ، وَهِيَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتُ الَّتِي بَيَّنَّا بَعْضَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَلَا نَزَالُ نُبَيِّنُ مَا يَعْرِضُ لَنَا فِيهِ وَفِي الْمَنَارِ.